عثمان بن جني ( ابن جني )

393

الخصائص

باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر علّة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل . ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم ، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر . وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها ، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها ، لوجب رفض لغتها ، وترك تلقّى ما يرد عنها . وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا ؛ لأنا لا نكاد نرى بدويّا فصيحا . وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه ، لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه ، وينال ويغضّ منه . وقد كان طرأ علينا أحد من يدّعى الفصاحة البدوية ، ويتباعد عن الضعفة الحضرية ، فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له ، وميزناه تمييزا حسن في النفوس موقعه ، إلى أن أنشدني يوما شعرا لنفسه يقول في بعض قوافيه : أشأؤها " 1 " ، وأدأؤها " 2 " [ بوزن أشععها وأدععها ] فجمع بين الهمزتين كما ترى ، واستأنف من ذلك ما لا أصل له ، ولا قياس يسوّغه . نعم ، وأبدل إلى الهمز حرفا لا حظّ في الهمز له ، بضدّ ما يجب ؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما " 3 " ، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبا ساذجا عن غير صنعة ما لا حظّ له في الهمز ، ثم يحقّق الهمزتين جميعا ! هذا ما لا يبيحه قياس ، ولا ورد بمثله سماع . فإن قلت : فقد جاء عنهم خطائئ ، ورزائئ ، ودريئة ودرائئ ، ولفيئة ولفائئ ،

--> ( 1 ) قال في اللسان ( شأى ) : شأوت القوم شأوا : سبقتهم . وشأيت القوم شأيا : سبقتهم . ( 2 ) دأى له يدأى دأيا ودأوا : إذا ختله . أي خدعه . انظر اللسان ( دأى ) . وفي بعض النسخ : " أذأؤها " بالذال ، قال في اللسان ( ذأى ) : ذأى يذأى ويذءو ذأوا : مرّ مرا خفيفا سريعا . . وذأى الإبل يذآها ويذءوها ذأوا وذأيا : ساقها سوقا شديدا وطردها . ( 3 ) ولذا عقد الصرفيون بابا عن الإبدال ذكروا فيه ما يصنع عند التقاء الهمزتين في كلمة واحدة . انظر شذا العرف بتحقيقى ط دار الكتب العلمية .